عين القضاة
مقدمة 88
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
وأحوالها ، إلى عوالم لا نهاية لعجائبها ، وبحار لا قيمة لجواهرها ، فنرجع الآن إلى المطلب المقصود ونستوعب في بيانه غاية المجهود ونقول : كما أن الجسم إذا تحرك بطبعه إلى حيّز مخصوص فلا بدّ وأن تكون حركته اليه من أقرب الطرق ، وهو الخط المستقيم الذي لا يتصوّر فيه انحراف أصلا وهذا معلوم قطعا بالبرهان اليقيني ومشهور عند من يتصفح أمثال ذلك ، فكذلك كل نفس من هذه النفوس ؛ فإنها تتحرك إلى حيّزها الأصلي ، وهو المعدن الذي خرجت منه ، من أقرب الطرق ، ولا تلتفتنّ إلى عوائق تعوقها في الطريق عن الحركة وتمنعها عن الأنجذاب ؛ فإن ذلك غير قادح في غرضنا . هذا فأشرف النفوس إذا ما يتحرك إلى اللّه ، طبعا لا تكلّف فيه ، على الصراط المستقيم الذي هو أقرب الطرق . فإن وقف القدر ببعض النفوس في الطريق على شيىء فذلك خارج عن طبيعتها الأصليّة ، ولا اكنراث بأمثاله . وهؤلاء ما داموا في الطريق فتجدهم أخفّاء الألسنة بقوله : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » كما اخبر عنه في حق الخليل خاصة في القرآن حكاية عنه أنه قال : « إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ » . ولا شك عندك أن المغناطيس إذا كان يجذب الحديد إلى نفسه من أقرب الطرق ، فقد هداه الصراط المستقيم . ولمّا كانت هذه النفوس أشرف النفوس كلها قال اللّه تقالى : « وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا » . الفصل الثامن والثمانون ( بأن الالفاظ المستمدة من عالم الشهادة لعاجزة عن الدلالة على حقائق عالم الغيب ) هذه المعاني التي أودعت في هذه الألفاظ بعيدة جدا عن ظواهر مفهوماتها ،